محمد بن جرير الطبري
87
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
رحمة ليعظم له الثواب بالذي يصيبه من البلاء ، وليجعله عبرة للصابرين وذكرى للعابدين في كل بلاء نزل بهم ، ليتأسوا به ، وليرجوا من عاقبة الصبر في عرض الدنيا ثواب الآخرة وما صنع الله بأيوب . فانحط عدو الله سريعا ، فجمع عفاريت الجن ومردة الشياطين من جنوده ، فقال : إني قد سلطت على أهل أيوب وماله ، فماذا عليكم ؟ فقال قائل منهم : أكون إعصارا فيه نار ، فلا أمر بشئ من ماله إلا أهلكته قال : أنت وذاك . فخرج حتى أتى إبله ، فأحرقها ورعاتها جميعا . ثم جاء عدو الله إلى أيوب في صورة قيمه عليها وهو في مصلى فقال : يا أيوب أقبلت نار حتى غشيت إبلك فأحرقتها ومن فيها غيري ، فجئتك أخبرك بذلك . فعرفه أيوب ، فقال : الحمد لله الذي هو أعطاها وهو أخذها الذي أخرجك منها كما يخرج الزؤان من الحب النقي . ثم انصرف عنه ، فجعل يصيب ماله مالا مالا حتى مر على آخره ، كلما انتهى إليه هلاك مال من ماله حمد الله وأحسن عليه الثناء ورضي بالقضاء ، ووطن نفسه بالصبر على البلاء . حتى إذا لم يبق له مال أتى أهله وولده ، وهم في قصر لهم معهم محظياتهم وخدامهم ، فتمثل ريحا عاصفا ، فاحتمل القصر من نواحيه فألقاه على أهله وولده ، فشدخهم تحته . ثم أتاه في صورة قهرمانه عليهم ، قد شدخ وجهه ، فقال : يا أيوب قد أتت ريحا عاصف ، فاحتملت القصر من نواحيه ثم ألقته على أهلك وولدك فشدختهم غيري ، فجئتك أخبرك ذلك . فلم يجزع على شئ أصابه جزعه على أهله وولده ، وأخذ ترابا فوضعه على رأسه ، ثم قال : ليت أمي لم تلدني ولم أك شيئا وسر بها عدو الله منه فأصعد إلى السماء جذلا . وراجع أيوب التوبة مما قال ، فحمد الله ، فسبقت توبته عدو الله إلى الله فلما جاء وذكر ما صنع ، قيل له قد سبقتك توبته إلى الله ومراجعته . قال : أي رب فسلطني على جسده قال : قد سلطتك على جسده إلا على لسانه وقلبه ونفسه وسمعه وبصره . فأقبل إليه عدو الله وهو ساجد ، فنفخ في جسده نفخا أشعل ما بين قرنه إلى قدمه كحريق النار ، ثم خرج في جسده ثآليل كأليات الغنم فحك بأظفاره حتى ذهبت ، ثم بالفخار والحجارة حتى تساقط لحمه ، فلم يبق منه إلا العروق والعصب والعظام عيناه تجولان في رأسه للنظر وقلبه للعقل ، ولم يخلص إلى شئ من حشو البطن ، لأنه لا بقاء للنفس إلا بها ، فهو يأكل ويشرب على التواء من حشوته ، فمكث كذلك ما شاء الله أن يمكث فحدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة عن ابن إسحاق ، عن بن دينار ، عن الحسن أنه كان يقول : مكث أيوب في ذلك البلاء سبع سنين وستة أشهر ملقى على رماد مكنسة في جانب القرية قال وهب بن منبه : ولم يبق من أهله إلا امرأة واحدة تقوم عليه وتكسب له ، ولا يقدر عدو الله منه على قليل ولا كثير مما يريد . فلما طال البلاء عليه وعليها وسأمها